الصوم تربية ومدرسة

    الكاتب: خبير الاعشاب والتغذية العلاجية عطار صويلح 35 عا م من الخبرة القسم: »
    تصنيف



    الصوم تربية ومدرسة

    فالصيام من أعظم العون على محاربة الهوى وقمع الشهوات وتزكية النفس وإيقافها عند حدود الله، فيحبس لسانه عن اللغو والسباب والانطلاق في أعراض الناس،
    والسعي بينهم بالغيبة والنميمة المفسدة. كما يردعه عن الغش والخداع والتطفيف والمكر وارتكاب الفواحش، وأخذ الربا أو الرشا، وأكل أموال الناس بالباطل بأي نوع من الاحتيال. ويجعل المسلم يسارع في فعل الخيرات من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على وجهها الصحيح وجهاتها المشروعة، ويجتهد في بذل الصدقات وفعل المشاريع النافعة، ويحرص على تحصيل لقمة العيش من الوجه الحلال، ويحذر من اقتراف الإثم والفواحش، فضلاً عن الاسترسال بها. وإذا نسي أو غلبته نفسه على فعل معصية ذكر الله سريعاً فأناب إليه واستغفر وتاب مما أصاب، لما غرس فيه صوم هذا الشهر المبارك من مراقبة الله وخشيته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[1].

    ولذا وجب على الصائم أن يتحفظ أكثر ما ينبغي أن يتحفظ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)). فالصيام يا عباد الله تهذيب لا تعذيب، فإذا لم يؤت ثمرته النافعة فليس النقص منه إنما النقص من سوء تصرف الصائم وعدم صحة قلبه وطهارة ضميره وعدم حسن تفكيره.

    ومن هنا وجب أن يكون الصوم عن إيمان واحتساب وضبط وتعظيم لشعائر الله، لا عن تقليد ومسايرة، كصوم من يصوم بتوجع وتحسر، ويقتل أوقاته بالنوم والبطالة، وهو في الحقيقة قاتل لنفسه قتلاً معنوياً، ويتمنى سرعة انقضاء رمضان كأنه ليس محسوباً من عمره أو ليس فيه زيادة من أجره والعياذ بالله.

    فأين حاله من حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الذين يصومون أياماً من الأسبوع أو أياماً من كل شهر تطوعاً لله، يهذبون بها أنفسهم، ويتدربون فيها على حمل أعباء الرسالة وتحقيق الحياة الطيبة؟

    فأين هو من الاقتداء بهم واللحوق بركبهم الشريف الذي طهر مشارق الأرض ومغاربها من الكفر والظلم وعمرها بالدين الصحيح والعدالة والخير والأمن والصلاح؟ أم يريد أن يلحق بالركب المادي الحاضر الذي طبعه الاستعمار بأوضار ثقافته الكافرة الفاجرة فيلحق في حزب الشيطان؟

    أعاذ الله المسلمين من عاقبة السوء.

    وهذا النوع من صيام بعض الناس الذين يصومون رمضان بتوجع وتحسر وسوء استقبال، ويتمنون سرعة انقضائه، قد أورثهم هذا الصيام حرجاً في نفوسهم وضيقاً في صدورهم، فتجدهم حمقى، سريعي السخط، يغضبون لأدنى سبب. وقد اشتهر هذا بينهم حتى صار كاعتقاد طبيعي للصوم بحيث إذا فحش أحدهم بالكلام وتمادى في الغضب على مقابله قال بعض السامعين - لا تعتب عليه فإنه صائم - كأن الصائم يمن على الله وعلى خلقه بصيامه، فلا يتحمل منهم كلاماً ولا مفاوضة.

    والصائم بإيمان واحتساب وخشية ومراقبة وتعظيم ومحبة لله يجب أن يكون بخلاف ذلك، فيكون راضياً مرضياً، مطمئن النفس، منشرح الصدر، مسروراً ملتذاً، شاكراً لله الذي فسح في عمره حتى بلغه صيام هذا الشهر ولم يجعله من أصحاب القبور، فلا يكون في نفسه اضطراب ولا انـزعاج ولا ضيق ولا حرج أبداً، بل يكون أوسع أفقاً، وأشرح صدراً، وأطيب نفساً، وأهدأ أعصاباً، وأقوى روحاً، فيكون على أحسن خلق في معاملته ومقابلته وحلمه ومفاوضته، وإذا ابتلى بخصم من الحمقى لم يجاره في حمقه وسفاهته، بل يقل له ثلاث مرات - إني صائم - كما أرشد لذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

    هكذا يجب أن تكون آثار الصيام الصحيح، بحيث لو أثر على جسمه بشيء من الفتور على عقله وروحه الطيبة المستنيرة بنور الله، بل يجب أن تكون روحه ومعنويته أحسن وأقوى من حاله في الإفطار، وذلك شكراً لله تعالى، ليحصل على بركة الصيام حسياً ومعنوياً بطيب نفسه وخلقه فتتضاعف أجوره من ربه.

    فالغاية الكبرى من الصيام هي التقوى بجميع معانيها ومبانيها، إذ هي في اللغة مشتقة من (التوقي) وأخذ الوقاية. ففي الصوم يتوقى المؤمن من المعاصي والآثام، فيأخذ لنفسه وقاية من عذاب الله وموجبات سخطه.

    وفي الصوم يعظم إحساسه وتقوى عزيمته على حمل رسالته والقيام بواجب وظيفة الله في أخذ القرآن بقوة والدفع به وبرسالة النبي إلى الأمام ليصلح بهما ما أفسده المبطلون في مشارق الأرض ومغاربها، وينقذ الناس من الظلم والاستعباد والتهتك والانحلال، فيستعد لأجل ذلك لأخذ القوة وتسخير كل دابة ومادة على وجه الأرض أو في جوفها أو أجوائها، ليتقوى بذلك على ردع من يقف في وجهه ويحول دونه ودون رسالته، فيكون آخذاً بأسباب الوقاية التي تقيه من غضب الله وعذابه بسبب إجرامه أو تفريطه في واجبه أمام الله مندفعاً بما يكسبه الصوم إياه من قوة الإرادة وطهارة الروح.

    والمؤمنون الذين خاطبهم الله في القرآن يعلمون مكان التقوى عند الله ووزنها في ميزانه وقوة تأثيرها وحسن نتائجها في أعمالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يحصلون به على السعادة الصحيحة والحياة الطيبة في الدارين، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم فتندفع إليها بقوة.

    وهذا الصوم أكبر حافز لتحصيلها، وخير أداة من أدواتها، وأحسن طريق موصل إليها ومن ثم يرفعها سياق القرآن في ختام الآية لفرضية الصيام أمام عيونهم وقلوبهم هدفاً وضاءاً ينهجون إليه عن طريق الصيام، فيكسبهم التوبة عما اقترفوه من الذنوب قبله، ويكسبهم الجد والنشاط في القيام بوظيفة الله التي يتشرفون بها وينجون، ولذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الصيام بأعظم وصف، إذ يقول: (الصيام جنة) بضم الجيم، أي ستر ووقاية يقي صاحبه من المعاصي ومن جميع المزالق التي يتردى بها في حياته بانهماكه في الملذات أو قنوعه بالعيشة البهيمية دون التفات إلى وظيفته.

    وورد في الحديث زيادة عند الإمام أحمد: (الصوم جنة ما لم يخرقها) أي يخرقها بشيء من أعمال الإثم وسوء النية أو سوء الاستقبال له وعدم الانشراح به، أو يخرقها بسوء الفهم وعدم مراقبة الله، فيكون صيامه كتقليد موروث لا ينتفع به ولا يتأثر في أي ناحية من نواحي سلوكه، فيكون قد خرق الحكمة الناشئة من الصوم الصحيح، فإن جنة الصيام تنخرق بالإصرار على المعاصي وبالعزم على العودة إليها بعد رمضان، وبالتفريط في جنب الله ونبذ كتابه واطراح رسالته ولو خارج رمضان، فإن المقصود من فريضة الصيام توجيه الأمة إلى رب رمضان في جميع الأزمان لا مجرد عبادته في رمضان، ولذلك كان من لم ينتفع فيه محروماً راغماً أنفه والعياذ بالله، لأن الصوم جنة ووقاية عن أدواء الروح والقلب والبدن، وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، فهو لجام المتقين وجُنة المحاربين لأعدائهم من شياطين الجن والإنس.

    والصوم أيضاً رياض للأبرار المتقين للتدرب على وظيفتهم بخلافة الله في الأرض، وهو رحمة عظيمة النفع للبدن والروح جميعاً وفيه مقصد شريف مهم أيضاً، وهو اجتماع القلب والهمم على الله، وتوفير قوى النفس على محبته وطاعته والجهاد في سبيله لتكون كلمته هي العليا وكلمة الكفار السفلى مهما تنوعت بألقابها وشعاراتها.

    وفي الصوم من الفوائد الاجتماعية للمساواة في الحكم فيه بين الأغنياء والفقراء والحكام والسوقة (هذا من جهة) ومن جهة أخرى إعداد الصائمين لتقوى الله فيما بينهم بأن يتفقد بعضهم بعضاً، حيث تساوون في الجوع، فتذهب غفلة الشبعان عن الجائع، ويتذكر الموسر حال المعسرين، ويتقي الله فيما يسأله عنهم من الأرحام، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾[2]، فيحملهم التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، لاسيما مع رقة القلب والاجتماع على سماع المواعظ والرغبة في مزيد الأجر والثواب مما ينتعش به المجتمع ويزول بؤسه. ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة، إذ جميع الصائمين يفطرون في وقت واحد بلا تقديم ولا تأخير.

    ثم إن في الصوم صحة عظيمة بجميع معانيها، صحة بدنية حسية وصحة روحية معنوية. فالصحة البدنية في كونه يفنى بعض المواد الراسبة في البدن، ولاسيما أبدان المترفين أولي النعمة والنهمة والتخم وقليلي العمل والتعب، فقد قال علماء الطب إنه يحفظ الرطوبات الطارئة، ويطهر الأمعاء من فساد الدؤب والسموم التي تحدثها البطنة، ويحول دون كثرة الشحم في الجوف، وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر.

    ونقل صاحب المنار رحمه الله عن بعض أطباء الإفرنج أنه قال: (صيام شهر في السنة يذيب الفضلات الميتة في البدن مدة سنة).

    وأما الصحة المعنوية الروحية فهي ما قدمناه، وما سنذكره أيضاً من فوائد الصيام في نفوس الصائمين، وتوجيههم إلى الله القوي المحبة والتعظيم وحسن المراقبة ومعرفة الصائم وظيفته لعلام الغيوب، وإعدادهم للأخذ بجميع وسائل التقوى التي تقيهم من الخزي والذل والخسران في الحياة الدنيا، ومن عذاب الخزي في الدار الأخرى، فتصح قلوبهم وتشفى من مرض الشبهات ومرض الشهوات الذي ابتلى به أهل الأرض، وذهب بأمن حياتهم وراحتهم، وأفقدهم الوحدة الصحيحة الروحية، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (صوموا تصحوا).

    ففي الصوم صحة القلوب والأرواح وصحة الأدمغة الذي يحصل به حسن التفكير في كينونة الإنسان التي لا يملك مجاوزتها في هذه الأرض ومعرفة مركزه فيها ووظيفته لرب العالمين، وأنه إذا لم يستق المعلومات من ربه، ويستلهم الهداية من وحيه، ويقوم بتنفيذ حكمه وتشريعه، فقد تنكر لنعمته وإحسانه، وكفر به كفراً عملياً بدل الشكر الواجب عليه، وانسلخ من شرف جندية مولاه العزيز الرحيم إلى مخلوق مثله، يشغله بمذاهب وأنظمة مصطنعة مضطربة يضل بها عن سواء السبيل، ويسعى بإضلال غيره أيضاً ثم يشقى بها فترة من الزمن، ويشقى غيره بتطبيقها عليه، ثم ينتقل إلى غيرها مما تتنوع بها ضلالته، وتزداد شقاوته، ومن يدور معه في فلكه، فتكون حياته شراً عليه وعلى غيره، ثم بعد مماته يكون ممن يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة، وأوزار الذين يضلونهم بغير علم.

    هكذا يتفطن الصائم فيصح تفكيره من تأثير الصيام الصحيح، فيستنير بنور الله، ويستجيب لنداءاته جل وعلا، ويحقق طاعته له، رافضاً الاستجابة لغيره أو طاعة سواه من ملاحدة الشرق والغرب الذين يدعون الفلسفة المتناقضة (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)[3] ثم بصحة تفكيره وسلامة ضميره يصفو قلبه من الصدأ، وينصقل من رين الذنوب، لمراقبته الله وإنابته إليه، فلا يعود بعد رمضان إلى غفلته السابقة أو أعماله التي فيها شرود عن الله وإضاعة لأوقات عمره النفيسة فيما يحرمه حظوظه الغالية من الله، بل يخرج من صيامه بإنسانية جديدة تحمل القوة المعنوية والطموح الصحيح والشموخ برأسه إلى استلام القيادة العالمية التي هيأه الله لانتزاعها من اليهود العابثين بمقدرات أهل الأرض، ويربأ بنفسه من عار التقليد والتبعية التي ابتلي بها كثير من العصريين المتشدقين بمسايرة الركب والتطور، معلنين على أنفسهم بتبعية المسايرة، والله يوجب على المسلم أن يسير بالناس على صراطه المستقيم بضوء وحيه الذي ورثه من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا أن يكون مسايراً للناس، منضبعاً بعلومهم المادية ومنصبغاً بفلسفتهم الإلحادية، فإن من كان على هذه الحالة بعد شهر رمضان لم ينتفع بصيامه، وكان كالبهيمة المحبوسة عن الطعام والشراب وقتاً معيناً، وبعدم انتفاعه بتشريعات الله، يكون مزعزع الكيان أو فاقد له بالكلية، ويكون ذنباً تابعاً، لا رأساً متبوعاً. ومهما ادعى لنفسه التحرر والتقدمية فهو مستعبد معنوياً وفكرياً، ومتأخر حقيقة، ولكنه يخادع نفسه ويخدع المصغي له ممن تشبه ببني إسرائيل، فكان سماعاً للكذب والعياذ بالله.

    وتقوية الإرادة في النفوس ليس بالأمر الهين، فقد عمل رجال الاجتماع وأصحاب التنظيم العسكريين على تقويتها في المجتمع هذا الزمان، وقد سبقهم الدين الإسلامي على ذلك بأربعة عشر قرناً. وما أحوج المسلم خاصة أن يكون قوي الإرادة، صادق العزيمة، ولذا أمره الله بتحمل المشاق في الحج، والصبر على فراق الأهل والأحباب، وتعطيل المصالح الدنيوية أو بعضها، والمسير إلى بلد لا يبلغها أحد إلا بشق الأنفس، ومكابدة ألم الجوع والعطش في الصيام، وقوة الصبر عن مألوفاته التي اعتادها حال الصيام، احتساباً لله، ووفاء بأمانة الصوم الذي أضافه الله إليه، مما يجعل المؤمن قوي الإرادة في تحقيق ذلك، بحيث لو دفع له شيء من المال على ترك مألوفاته لم يقبل، ولكن يتركها حال صومه لله رب العالمين.

    فجدير بالصائم أن لا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه القوة أو يوهنها أو يقلل من شأنها، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة التي صبر بسببها عن محبوباته ومألوفاته. فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو، أو يكرهه الشارع من مألوفاته التي اعتاد أكلها أو شربها أو مقاربتها. تالله ما أحزمه لو واصل هذه الحمية عن ذلك بالليل كما عملها في النهار. وإن هو عكس الأمر وأخذ يتأفف على ما حرمه منه الصيام، ويتلهف لساعة الإفطار للإسراع إلى تناول مألوفاته المضرة بنهمة، فقد ضيع الحزم والعزم وبرهن على خوره وضعف نفسه وانعدام يقينه وقلة صبره وانحلال معنويته وانعدام عزيمته وبشاعة هزيمته، وأنه لا يزال فاقد الإرادة، مغلوباً على أمره داخلياً، لم يستفد من صيامه، ولم ينجح من مدرسته التدريبية بشيء، فلم يكتسب المرونة المطلوبة من فرضية الصيام إذ لم يحمل نفسه على الصبر المتواصل، فهو وإن كان مثاباً من جهة صيامه الساعات المحدودة إلا أنه لم ينتفع من الناحية النفسية والاجتماعية.

    إذ هو بضعف إرادته التي جرته إلى الإقبال على مألوفاته بجشع ونهمة قد هدم في ليله ما بناه صومه في نهاره، وأثبت أن صيامه مجرد روحانية خاصة قاسرة.

    نعم إن من يقبل حين إفطاره على مألوفاته الخسيسة من دخان أو حشيشة أو قات ونحوه من المفترات أو المخدرات، فقد برهن على ضعف إرادته وانهزامه النفسي الذي هدم به في ليله ما بناه صيامه في نهاره، وأثبت أن صيامه صياماً تقليدياً يشوبه التوجع والتأفف على عدم تناول مألوفاته، وأن صبره ليس منبثقاً عن قوة نفسية وصدق عزيمة، وإنما جاء قسراً من ضغط البيئة أو من الخضوع الديني الذي أجبره على احترام شهر رمضان في ساعات محدودة لا يتعداها صبره عن تناول مألوفه الذي هو مكروه في الشرع، مستقبح في الطبع، ضار في الوضع لقلبه أو عقله أو بدنه أو ماله، أو مضيق لمعيشة عياله، فلم يخرج من ذلك الصوم بمرونة وتهذيب للنفس يكتسب به قوة الإرادة التي يجب أن يظفر بها الصائم صياماً حقيقياً كاملاً يحبه الله وتظهر نتائجه في تقوية معنوية فاعلة من كل ناحية، كما هي الحكمة العظمى من حكم الصوم التي أخذ علماء التربية والاجتماع الآن يعملون على تقويتها في النفوس بشتى الوسائل، كما يذكر عن اهتمام (ألمانيا) بتقوية الإرادة.

    ونحن أغنياء بتشريعات ديننا القويم الذي وضعه لنا العليم الحكيم جل شأنه، فلسنا بحاجة إلى التطفل على غيرنا في التربية، إذ تربية أولئك مبنية على المادة الصرفة التي تقلق راحة الإنسان وتزيد من جموحه إلى الشر بسببها.

    وتربية الشارع الحكيم جمعت بين الروح والمادة بميزان تغلب فيه الروح وترجح، فتسيطر على مشاعره من الجماح والانحراف. فالمسلم بحمد الله على بينة من أمره وحكم عليا في دينه الذي يتلوه شاهد منه لا يحتاج معه إلى الاستشهاد بغيره، وإنما يحتاج إلى التطبيق وأخذ ما أنـزل إليه بقوة.

    ومن لم يتأثر بما يقوله وما يعمله من أركان الإسلام وشعائره تأثراً روحياً ومعنوياً تنسبك به أخلاقه وطبائعه، فليس جديراً بحمل رسالته العظيمة التي أوجب الله عليه حملها في جميع نواحي الأرض ليصلح بها ما أفسد الناس ويكون مصدر العزة والحكمة ومنبع الخير والرحمة كما هيأه الله بما شرع في دينه لذلك.

    والمسلمون ما قست قلوبهم وتقاعسوا عن واجبهم فكانوا عرضة لغزو أعدائهم سياسياً وثقافياً إلا بسبب عدم تأثرهم بما يكررون قوله وفعله من أركان الإسلام وشعائره مما أصبح والعياذ بالله (كطقوس روتينية) بحيث غلبهم أصحاب المبادئ الوثنية والمذاهب المادية الجديدة التي يتفانون في نشرها وتركيزها بكل حماس وتضحية حتى كسبوا أولاد المسلمين كسباً رخيصاً، بل اختطفوا عقول الكثيرين من آبائهم أيضاً.

    ولو أنهم تأثروا بما يقولونه ويفعلونه تأثراً صحيحاً لأجج في قلوبهم نار الغيرة لله والانتصار لما أنـزله عليهم من الحق محبة صحيحة له ولرسوله، فحلموا رسالتهم القومية العظيمة الخالدة، ودفعوا بها إلى الأمام، ودفعوا الباطل بسيوف الحق الدامغة، فلم يسمحوا له بالانتشار، ولم يوجدوا له فراغاً ينفذ منه، بل شغلوا الفراغ بالحق بدلاً من أن يشغله غيرهم بالباطل، ووقفوا سداً منيعاً أمام كل تيار بحيث يدفعونه حتى يتلاشى، كما دفعه أسلافهم الصالحون الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

    فالدين الإسلامي دين حيوي يجمع تشريعاته القولية والفعلية والاعتقادية.

    فكل شعيرة منه تعمر الضمير وتزيد في تقوى الله ومحبته وتعظيمه، وتحمل صاحبها على التفاني في نصرة دينه اقتداء برسوله عليه الصلاة والسلام.

    وما انطفأت نار الغيرة والحب إلا بسبب عدم التأثر المطلوب، لأن المسلم في هذا الزمان ويا للأسف أصبح عنده ذكر الله وتلاوة كتابه لا يتجاوزان الحنجرة، وكذلك الصلاة يصليها بجسمه لا بقلبه. والصيام يؤديه كعادة رسمية يحترمها مع التضجر على ما يمتنع منه والتلهف على سرعة تناوله.

    فلا الذكر والقرآن يورثان المحبة والتعظيم والتدبر والتفكر. ولا الصلاة تورث الإخبات والإنابة لخلوها من الخشوع ولا الصوم يورثه قوة الإرادة ورباطة الجأش وصدق العزيمة.

    والواجب أن تستقيم أموره كما يحب الله منه ويوجبه عليه، فيطمئن قلبه بذكر الله، وينيب إليه، ويخشع بتمام مراقبته لله، وبالإجلال والتعظيم له في الصلاة ينتهي عن الفحشاء والمنكر، وأن تتوفر فيه جميع حكم الصيام وغيره لتؤتي كل شعيرة ثمرتها المقصودة من شرعيتها، فيكون عبداً شكوراً قائماً بوظيفته لربه في الحياة، مجاهداً في الله حق جهاده، لينال ما وعده الله به من العز والنصر والتمكين والنجاة من الشرور (فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم)[4]. فالصوم الصحيح يبقى في قلب صاحبه من الصحة والشفاء الروحي ما يقيه من الأمراض المعنوية، كما أنه يتأثر بالصلاة الخاشعة وقراءة القرآن بالتدبر حال صيامه مما تعرج به روحه إلى مولاه عروجاً معنوياً يكسبه الاستقامة على طاعته، والقيام بحسن المعاملة للخالق والمخلوق، ويرهف إحساسه نحو رسالته، فيتفانى في حملها ويبذل النفس والنفيس في سبيلها قياماً بحق الله، وبسلامة قلبه من الأمراض المعنوية وصلاح أعماله يكون قدوة صالحة بين الأنام، فيحصل لدعوته القبول التام لما يرون فيه من الأسوة الحسنة، فهكذا يوجب الله على المسلمين أن يكونوا في الأرض لتعمر بهم عمارة روحية ومعنوية.

    فصلى الله عليك من رسول أوتيت جوامع الكلم. تالله إن كلماته القصيرة الحكيمة في هذين الحديثين الشريفين:(الصوم جنة ما لم يخرقها)، و (صوموا تصحوا) لو تكلم بهما بعض ما يسمى بالفلاسفة أو بعض أطباء الغرب في هذا الزمان الموبوءة فيه أوضاع أهله، لطفحت بهما الصحف بالعناوين الضخمة ووجدوا رواجاً عظيماً عند الماديين الذين رفضوا الروحانيات وأصبحوا لا يتلقون الهداية من مشكاة النبوة، بل يتلقون أقوال هذا وذاك ممن (ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)[5].

    والمؤمن الصحيح يجب عليه أن يحصر التلقي للنور والهداية على وحي الله من كتاب وسنة، ويجعلهما الميزان الصحيح لكل ما يرد عليه، وأن يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه حاضر عنده لا يغيب عنه، ويلاحظ اطلاع الله عليه أيضاً، فيتمسك بوحيه الذي هو حبله المتين، أي عهده المتين، ويقتدي بنبيه عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً، لتكون حياته امتداداً لحياته الطاهرة، وإن لم يكن كذلك فإن حياته صورة لغيره والعياذ بالله.

    إن الإله العليم الحكيم الذي جعل الصيام ركناً من أركان الإسلام ومبانيه، ودعامة عظيمة من دعائمه، شرعه لتحقيق إنسانيتنا والارتفاع بها عن مستوى البهائم. ذلك أن الإنسان ليس هو هذه الجثة القائمة بهيكلها المنتصب فقط إلا إذا فقد الروح السماوية التي يمده الله بها. فإذا فقدها كان بمجرد هيكله مشابهاً للحيوان، بل يكون أشر وأضر منه، ولكن الله يمده بروح من عنده فيما يشرعه له من العبادات المتنوعة المزكية لنفسه والمصلحة لأحواله وشؤونه كلها.

    فالإنسان جسد سفلى وروح علوي، فلجسده مطالب من جنس علله السفلى، ولروحه مطالب علوية من جنسها. فإذا أخضع روحه لمطالب جسده وحكم غريزته الحيوانية فقد استحكمت بهيميته على عقله وروحه وانقلب من مالك مدبر إلى حيوان مسير يسيره الهوى المخالف لوحي الله، وقد يتشيطن بابتعاده عن أوامر ربه فيكون شيطاناً رجيماً من جن إبليس الذين يكسبهم كسباً رخيصاً.

    أما إذا عرف قيمة نفسه وأدرك سر الله فيه، وحكم جانب الروح حتى يخضع جسده لها، فتغلب روحه على نـزعات جسده، ويصفو قلبه من همزات الشياطين، وينشغل بحب ربه والاتجاه إليه، فإنه يكون ذلك الإنسان الكامل العاقل المفكر المتطلع إلى ملكوت السماء، والمترفع على الدنايا، والشامخ إلى استلام زمام قيادة الله في أرضه، وحسن التصرف فيما استخلفه فيها.

    ومن هنا فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان أهوائه وغرائزه البهيمية وينطلق من سجنها ظافراً متغلباً عليها.

    وعلى العموم فإن شهر رمضان مدرسة تربية رحمانية يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء، والتسليم لحكمه في كل شيء، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين، وفي أي حال ومكان، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله، ومواصلة هجران ما ابتلي به بعد الإفطار، كما قبله لينجح من هذه المدرسة حقاً، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه.

    فعليه أن يغتنم هذه المدرسة بصدق العزيمة والنشاط وحسن مراقبة الله حتى لا يكون من الراسبين المغبونين. عليه أن يمسك لسانه عن أنواع البذاء وفضول الكلام، كما أمسك فمه عن الطعام والشراب، وأن يواصل إمساكه بالليل عن ذلك، فلا ينطق إلا بالحض على الخير والأمر بالمعروف والكلمات النافعة البناءة الصالحة المصلحة، وأن يشغله بالذكر والتلاوة والندوات الطيبة المشتملة على ذلك، فإن من أمسك عن الطعام ولم يمسك لسانه عن الهمز واللمز وأنواع البذاءة، فقد أحبط أجر صيامه من جهة، ورفض التعلم في مدرسة الله من جهة أخرى، ومن أمسك لسانه بالنهار وأطلقه بالليل فقد أفطر على الحرام، ولم يواصل التعلم والتدريب في مدرسة الله، ولابد له من السقوط، فليحذر من ذلك.

    ومن كان مبتلى بالطمع والجشع يغبن الناس في المعاملة بالأيمان الكاذبة، ويغشهم بأنواع التدليس أو يطفف عليهم في وزن أو كيل أو ذرع، فليحذر من فساد صومه بالإفطار على الحرام، وليحسن معاملته قولاً وفعلاً، ليتدرب على الصدق والنصح خارج رمضان، فيكون ممن تزود فيه التقوى، والتقوى خير زاد. فإن لم يكن كذلك بأن استمر على غشه وسوء معاملته حال الصيام، أو توقف عنها ثم رجع إليها بعد صيامه، فهو الرافض لمدرسة الله والساقط من تدريبها، فهو متعرض لإبعاد الله ومقته، محروم من مغفرته في هذا الموسم الكريم.

    ومن كان مبتلى بالشهوات والطمع في أعراض الناس، فشهر الصيام خير مدرسة له، تزجره عن ذلك إذا عقل حكم الله، وتدبر حكمته، وحرص على إصلاح صومه وتحصيل ثوابه. ففيه يتدرب على غض البصر وكف الجوارح إذا كان في الليل معرضاً عن ذلك بقلبه وقالبه، ويجب عليه إشغال قلبه بالتفكر في آيات الله وتذكر نعم الله عليه نعمة نعمة، ويحاسب نفسه على شكرها بحسن التصرف فيها، ويجعل قلبه سايحاً في ذلك، كي لا ينشغل بذكر محبوباته ومعشوقاته، فيكون متعلقاً بها متلهفاً على حصولها والوصول إليها، فيحدوه ذلك على العزم على مقاربة الفواحش بعد رمضان.

    وعقد العزم والإصرار هما من موجبات الإثم ومحبطات الأجر، ومن كان هكذا فإنه لاشك ساقط من مدرسة الرحمن وغير منتفع بصيام رمضان، فكيف بمن اقترف المعاصي فيه والعياذ بالله؟ ومن ابتلي بالتسلط على الناس بأي نوع من أنواع التسلط لكبريائه أو مركزه، فإن هذا الشهر مدرسة له يتدرب فيها على الكف عن سوء طباعه، فإن لم ينطبع فيه ويتكيف بتقوى الله بعد خروجه، فهو الشقي المحروم، لأنه ممن رفض هذه المدرسة أو رسب فيها فلم ينل التواضع والإنصاف.

    ومن ابتلي بشيء من المشروبات المفترة، فضلاً عن المسكرة، فعليه أن يستغل مدرسة شهر الصوم ليصوم عنها في ليله كما صام عنها في نهاره، وليربأ بنفسه من الإفطار على خبيث محرم أو مكروه بعد ما صام عن الطيب والحلال، حتى المبتلى بالدخان ونحوه، عليه مواصلة الصوم عنه في الليل ليهجره إلى غير رجعة، ولا يغلبه اليهود الذين حرموه في دولتهم المسماة (إسرائيل) فقد حرموه بادئ الأمر على جنودهم، ثم حرموه على الأساتذة والطلاب في جميع المدارس على اختلافها، فمن العار والشنار على المسلمين الذين هم جند الله أن يغلبهم اليهود على تحريم ذلك وهجره، فأولى بالمسلمين وأولى أن يكونوا هم السابقون لجميع العالم في كل شيء لا لليهود فقط، وأن يهذبوا أنفسهم بحسن جهادها ليتهيؤا للجهاد الأكبر الذي أسلفناه، فإن المهزوم داخلياً لا يصلح للجهاد ولا لأي إعداد.

    وفي شهر رمضان يتدرب المسلم على عبادة الله، ويجد لها حلاوة، ويألف المساجد ويعمرها، ويحظى بصحبة الأخيار، فتغشاه الرحمة وتعمه البركة من الله، لاسيما من وفق لصلاة التراويح، ورتع قلبه في ربيع القرآن، ورزقه الله الخشوع، فإنه ينتفع انتفاعاً روحياً يكتسب به الإقبال على الله، والترفع عن اقتراف الإثم الذي يغمسه في المعاصي. فالمضيع للصلاة إذا عاودها واعتادها في رمضان يرجى له أن يداوم عليها بعد رمضان لما ينغرس في قلبه من التقوى والرجوع إلى الله فيه.

    وكذلك الذين هم عن صلاتهم ساهون بتأخيرها أو عدم إقامتها جماعة، وقلة إلفهم للمساجد وعدم تعلقهم بها، يحصل لهم المواظبة في شهر رمضان على الصلاة جماعة في أوقاتها، فيألفون المساجد بإقامة الصلاة، فإذا وفقوا للنجاح في هذه المدرسة الرمضانية الربانية بحسن نيتهم وصدق إقبالهم على الله، كانوا طيلة السنة على صلاتهم دائمين وإليها مقبلين عن حب وشغف، فيكونوا محافظين على أدائها في المساجد.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في تعداد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - رجل قلبه معلق بالمساجد - والمسلم لا يجد حلاوة الإيمان حتى يستعذب الطاعة ويستشعر المغيبات من وعد الله ووعيده كأنها شيء حاضر ماثل أمام عينيه ليقوم بتحقيق الخوف والرجاء بالمسارعة إلى مرضاة الله والمنافسة في طاعته واجتناب موجبات سخطه. وخير مدرسة للتدريب على ذلك هي مدرسة الصيام في هذا الشهر المبارك.

    وأيضاً فشهر الصوم مدرسة للبخيل الذي ابتلي بالشح وقسوة القلب، إذ يحصل له بصومه تذكير عملي أوقع في نفسه من نصح الناصح وخطبة الخطيب، لأنه تذكير يسمعه ويتلقنه من صوت بطنه إذا جاع وأمعائه إذا خلت، وكبده إذا احترت من العطش، يحصل له من ذلك تذكير عملي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، وحاجة المحتاجين، فتسمح نفسه بأداء حق الله إليهم، وقد يجود عليهم بزيادة ((فشهر الصيام شهر الجود والمواساة، وشهر يزاد فيه من رزق المؤمن))، كما قال صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه قوله: ((من فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء)) ، وإن الذي تربى في النعمة ولم يذق طعم الجوع أو مرارة العطش لا يدري ما يحل بغيره من البؤساء، لكن بصيامه يحصل له التذكير العملي والتوجيه اللاشعوري، كما يحصل له حق المعرفة بقدر نعمة الله عليه، فإن النعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها، وكلما ازدادت معرفة المسلم بالنعمة ازداد قيامه بشكرها. والشكر الصحيح المطلوب هو حسن التصرف في النعم، وذلك باستعمالها في طاعة الله والاستعانة بها على حمل رسالته وتنفيذ وصاياه في وحيه وعدم صرف شيء منها في معصيته.

    والصوم الصحيح يحقق المعرفة بالنعمة ويوقظ الشعور إلى حسن التصرف فيها، ولذا ختم الله الآيات المتعلقة بالصيام بقوله: (لعلكم تشكرون) كما سنفصله إن شاء الله.

    ثم إن في شهر الصيام مدرسة للقرآن لمن التفت إلى الله فيه وأكثر من قراءته، فإنه مع ما يجنيه من الثواب العظيم بمضاعفة الحسنات يحصل له التدريب على مواصلة قراءة القرآن خارج رمضان، ويحفزه ذلك على تدبر الآيات وتعقلها ومحاسبة النفس عليها، ليكون من التالين كتاب الله حق تلاوته بمعرفة معانيه، والوقوف عند حدوده بفعل ما أمر الله. وقد يكون ذلك سبباً لسعادته وراحة لقلبه إذا انشغل به عما سواه.

    وبالجملة فهو شهر يحصل به تقوية الإرادة على فعل الخير وترك الشر وهجر المضر الذي قد ابتلي به كثير من الناس، كالدخان الذي يستنفد فيه مبلغ كبير من المال يسيل إلى الشركات الأجنبية التي أصبحت عوناً علينا لليهود، مما لو ضبط لبلغ مئات الملايين بالعملة الصعبة لكل قطر عربي، زيادة على ما فيه من هدم الصحة والإضرار بالرئة والقلب والتأثير على الرأس والعقل.

    وإني أنصح الصائم أن يتدرب في صومه عنه بالنهار على تركه بالليل نهائياً إلى غير رجعة. أنصحه بكل حرارة أن يواصل عزيمته وقوة إرادته بالليل كما كانت بالنهار، فإن الله جعل له الصيام (جنة) ووقاية من تناول ما يضره، فلا يليق به أن يخرق هذه الجنة ويضيع هذه الوقاية بأن تغلبه نفسه الأمارة بالسوء على الرجوع إلى ذلك بالليل بعد ما تركه في النهار. يجب أن لا تخور قواه ولا يفسد حكمة صيامه بضعف إرادته وشدة هلعه عند الإفطار، فيكون ساقطاً من هذه المدرسة الكريمة.

    فالله الله أيها الصائمون، اغتنموا هذه الفرصة للعزوف فيها عن كل شر، وترك كل شيء مضر، ليكون صيامكم صياماً إنسانياً كاملاً، قد توفرت فيه القوة، وحصلت منه الحكمة، لا أن يكون صوماً بهيمياً. وقاكم الله من مثل السوء إن صوم رمضان من أركان الإسلام ومبانيه، لا ينكره إلا كافر بما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وكل من يستهجن الصيام أو يستهزئ به فهو مرتد عن دين الله، تجري عليه أحكام المرتدين من وجوب قتله وأخذ ماله، لأنه لا يرث ولا يورث، وينفسخ عقد نكاحه، بحيث قال السادة الشافعية: (من أتى بما يوجب الردة في بلد لا تقام فيه حدود الله أو لا يطبق فيه شرعه، كان نكاحه منفسخاً في نفس الأمر، ومعاشرته لزوجته تعتبر سفاحاً).

    ولقد كسب الإفرنج في تربيتهم لأبنائنا كثيراً من هذا النوع الذي يستهجن أوامر الله وينفر من طاعته، بل يتطاول على الله بالتنديد لدينه والاستهزاء والتشكيك في فرائضه وحدوده، لما انغرس في قلبه من الإلحاد بما يلقنه أساتذة السوء وما يقذف به بواسطة وسائل النشر المختلفة من ضروب التشكيك وتحبيب التمرد على الروحانيات.

    ومن المصيبة أن هذا الصوم لو شرعته المنظمات الدولية الكافرة وأوجبته على جيشها أو على شبابها أو كشافتها، لما وجدنا أحداً من هؤلاء المضبوعين يستهجنه أو يستهزأ عليه، بل ينعكس أمرهم إلى مدحه وشدة إطرائه والحث عليه والإعجاب بمن شرعه، لأنه من أعظم وأحسن وسائل التربية، ولكن لما كان المشرع هو رب العالمين على لسان نبيه العربي الذي حسدته اليهودية العالمية وأذنابها، كان هذا جزاؤه من أبنائه المتبجحين بالعروبة. وفقهم الله للخير والصواب.

    فيا إخواني إن شريعتكم عظيمة حكيمة، لأن رسالتكم رسالة عامة خالدة ما دامت السماوات والأرض، وليس فيها تشريع لا يساير التطور الصحيح، أو ينقص من المجهود كما يزعمون، فإن الذي يكون قوياً أميناً في حفظ أمانة الله ورعاية أوامره يكون قوياً في عمله، أميناً على ما استرعاه غيره من عمل.

    ومن خان أمانة الله العظمى في شرائع دينه فهو لغيرها أشد خيانة، ومن تدرب على قوة الإرادة وصدق العزيمة شهراً كاملاً عن إيمان واحتساب، فإنه يكون قوي الشكيمة، شديد المراس، صلب في التصميم.

    فهذه تربية الرحمن الرحيم، لابد أن تتفوق على تربية المخلوق، وفيها من مسايرة التطور الصحيح ما تشهد له العقول الرجيحة، كما نراهم الآن يلجأون إلى كل تشريع تحصل به القوة الجسمانية والعقلية.

    ومن تأمل في تربية الدول الحديثة لجيشها الذي تصطفيه للحرب والدفاع، عرف حكمة الله من شرعية الصوم والحج وغيره. فالمسلم هو جندي الله، مكلف بحمل رسالته، وتوزيع هدايته، وقمع المفتري عليه، وعدم السماح له بالانتشار، فهو أحوج إلى التربية القوية من غيره.

    وما أجهل الذين يفتون للعمال بالإفطار في رمضان، متعللين بحجة واهية، بل بشبهة مدحوضة لا يقرها الكفرة الأصليون، فقد حصل من (الإنكليز) أكثر من مرة امتحان العمال المسلمين بين الصيام وبين خيانة الله فيه، وذلك بإغرائهم بمضاعفة الأجور للمفطرين، حتى إذا انتهى الشهر عكسوا الأمر، فضاعفوا أجور الصائمين، ونقصوا المفطرين أو طردوهم، مع التصريح لهم أنهم خونة قد خانوا دينهم.

    أما أفراخهم اليوم من المحسوبين على الإسلام فإنهم يتطاولون على وحي الله وحكمه، زاعمين أن الصيام ينقص من الإنتاج، مع أن الواقع يكذبهم في ذلك، فقد جرب المسلمون في كل عصر صيام رمضان وقت اشتداد الحر، وكل منهم يذهب إلى عمله ويؤدي واجبه، ولم يزد والله تعبنا وقت الصيف في رمضان على غيره. والعلة في الحقيقة ليست من الصوم ذاته وإنما هي من ضعف النفس وقلة الإيمان.

    فأولى لهم وأولى أن يعملوا على تربية نفوسهم وتقوية إرادتها وتسليم الحكم لله وحده، وأن يعترفوا بأن حكمته فوق كل حكمة، وأمره فوق كل شيء.

    والعجب أنهم لا يعتبرون الأعياد القومية المختلفة المبتدعة على كثرتها منقصة للإنتاج، وهي لو قورنت بالنقص الوهمي الذي يزعمونه في الصيام لزادت عليه، مع العلم أن الإسلام أبطل الأعياد القومية الوثنية لكونها أعياداً مادية أرضية لا روحانية فيها، ولكونها ينفق فيها من الأموال، ويضيع فيها من الوقت، ما فيه تبديد لطاقات الأمة دون فائدة تعود إلا على أفراد تسبح الدعاية بحمدهم وتقدس ويكون فيها مجالاً ومربحاً للمداحين الذي أمر الشارع أن يحثى في وجوههم التراب وقد أسلفنا حديث المنع فيما مضى، ولكن هذه الأعياد يروجها المتجرون بعواطف الشعوب ممن يريدون كيل المدح لأشخاصهم، فنرجوا الله أن ينجيهم من الضلال وأن يرفعهم وينقذهم من هذه الهزيمة العقلية، وأن يوفقهم لتدبر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾[6]. فإن هذا خطاب من الله سبحانه وتعالى لكل مسلم.

    فالواجب على أمة محمد وورثة محمد صلى الله عليه وسلم أن يحاربوا الثقافة الاستعمارية الزائفة أعظم من محاربته عسكرياً، لأن الاستعمار الثقافي أنكى وأفظع. والله حذرنا من طاعتهم واتباعهم في أي شيء من مذاهبهم وأذواقهم، وأخبرنا أنهم يريدون ضلالنا وأن نميل مع الأهواء. قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾[7]، وقال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾[8]، لأننا إذا ساويناهم في ضلالتهم وفساد أخلاقهم فقدنا المدد من الله وابتعدنا عن الوحدة التي لا يحققها الله لنا إلا بالاستمساك بهداه والاعتصام بحبله الذي هو القرآن، وبدون ذلك يربح أعداؤنا المعركة فتتسلط علينا اليهودية العالمية التي ما فتئت تعمل لذلك.

    وليعلم أن الذي يستهجن مشروعية الصيام فإنه مرتد عن الإسلام ولو صام، لأن ذلك من نواقض الإسلام، وكذا من يبيح للعمال أو الطلاب الإفطار في رمضان لاستدراكه على الله في شرعه وعلمه وحكمته، فجريمته عظيمة تزيد على الكفر، لأنه نصب نفسه طاغوتاً مشرعاً من دون الله، فهو منازع لألوهية الله وملوكيته في الأرض، وهذا بعض ما تجره الثقافة الاستعمارية الكافرة التي ركزت فيها الماسونية اليهودية كثيراً من ضروب الإلحاد.

    هذا وليعلم أن مدرسة رمضان أعظم وأنفع من جميع المدارس العسكرية وكليات التربية الحديثة على اختلاف أنواعها، لأن التربية العسكرية والمدنية كلها مقصورة على أشياء مادية خالية من الروحانية، بخلاف المدرسة الرمضانية، فإن تربيتها العامة مشربة بروح التقوى، وأعظم فوائده الروحية التعبدية المقصودة بالذات هي كون الصائم يصوم لوجه الله، كما هو المشروط في النية. وقد قال بعض العلماء بوجوب تبييت النية في الليل، مستنداً على حديث نبوي، فمن صام لأجل الصحة فقط فليس عابداً لله في صومه، إلا أن ينوي العبادة معها، وتقدم البحث عن آثار الصيام في التقوى بما فيه كفاية.

    [1] سورة الأعراف، آية 201.
    [2] سورة النساء آية: 1.
    [3] سورة المائدة، آية: 50.
    [4] سورة محمد، آية: 21.
    [5] سورة الكهف، آية: 104.
    [6] سورة الجاثية، آية 18.
    [7] سورة النساء، آية 89.
    [8] سورة النساء، آية 27



    ضع تعليق

    { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }